تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٩٣ - تأييد استبصارى في تأويل معصية آدم
له في الآخرة و لا طعام له إلا من الحميم و الزقّوم و الغسلين. و يكون غذاء أهل الجحيم في الدار الآخرة من غسالات الطبائع و أكدارها و أوزارها، كما انّ غذاء أهل الجنة من الصفايا و اللطائف، و غذاء أهل القرب منهم من المعارف الإلهيّة و العلوم الربانيّة.
تأييد استبصارى [في تأويل معصية آدم]
اعلم انّ للإنسان همّة عالية و حرص شديد بحسب الجبلّة، فلا يزال تقول نار طبيعته و جهنم حرصه: «هل مزيد» و لا تمتلي حتى يضع الجبار قدمه فيها.
ثمّ انّه أبيح له و لزوجته مشتهيات النفس كلّها، فيها ما تشتهي الأنفس و تلذّ الأعين و قيل لهما: «اقتنعا بها و لا توقدا نار الفتنة» و هي نار الطبيعة التي شأنها تحليل الموادّ و التصرّف فيها، و قد كانت كامنة في النفس و لم تخرج من الكمون إلى البروز. أ و لا ترى إنّ الإنسان إذا أخذ في تناول المطعوم انبعثت من طبيعته حرارة طابخة و نضجت مادة الغذاء؟ فأصل النار من النفس، ثمّ من الطبيعة.
و لا تقربا شجرة الطبيعة السفليّة إن كنتما طالبين للسلامة عن المصيبة و المحنة، فارغين عن حرقة المحبّة، و إلّا فتكونا من الظالمين على النفس- بتوريطها في ورطات الهلاك التي قلّت النجاة عنها، و إحراقها بنار المحبّة و المحنة، و الم البعد و الفرقة، و تعب السفر في الدنيا لربح الآخرة. و قد غرقت في بحارها طوائف كثيرة انكسرت فيها سفائنهم و مراكبهم.
و حمل «الظلم» على هذا المعنى أوفق بالمحافظة على قاعدة عصمة الأنبياء عليهم [السلام] و كل مذهب أفضى إلى انحفاظ عصمتهم كان أولى. و ذلك كما في قوله تعالى: وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا [٣٣/ ٧٢] و سيأتي بيانه إن شاء اللّه [تعالى].